محمد متولي الشعراوي
578
تفسير الشعراوي
إذن هناك آيات واضحة يريدنا اللّه سبحانه أن نراها ونتفهمها . . فمقام إبراهيم هو مكان قيامه عندما أمره اللّه برفع القواعد من البيت . . والترتيب الزمنى للأحداث هو أن البيت وجد أولا . . ثم بعد ذلك رفعت القواعد ووضع الحجر الأسود في موقعه وقد وضعه إبراهيم عليه السّلام . إن اللّه سبحانه وتعالى لا يريد أن يعطينا التاريخ بقدر ما يريد أن يعطينا العبرة ؛ فقصة بناء البيت وقع فيها خلاف بين العلماء . . متى بنى البيت ؟ بعض العلماء جعلوا بداية البناء أيام إبراهيم وبعضهم يرى أنه من عهد آدم وفريق ثالث يقول إنه من قبل آدم . . وإذا حكمنا المنطق والعقل وقرأنا قول الحق تبارك وتعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) ( سورة البقرة ) نسأل ما الرفع أولا ؟ هو الصعود والاعلاء ، فكل بناء له طول وله عرض وله ارتفاع . . وما دامت مهمة إبراهيم هي رفع القواعد فكأن هناك طولا وعرضا للبيت وان إبراهيم سيحدد البعد الثالث وهو الارتفاع . . إن البيت كان موجودا قبل إبراهيم . . ثم جاء الطوفان الذي غمر الأرض في عهد نوح فأخفى معالمه . . فأراد اللّه سبحانه وتعالى أن يظهره ويبين مكانه للناس . والكعبة ليست هي البيت ولكنها هي المكين الذي يدلنا على مكان البيت . . إذن فالذين فهموا من قوله تعالى : « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ » . . بمعنى ان إبراهيم هو الذي بنى البيت . . نقول لهم ان البيت كان موجودا قبل إبراهيم وأن مهمة إبراهيم اقتصرت على رفع القواعد لإظهار مكان البيت للناس . . ودليلنا على ذلك أنه الآن وقد ارتفع البناء حول الكعبة . . من يصلى على السطح لا يسجد للكعبة ولكنه يسجد لجوّ الكعبة . . ومن يصلى في الدور الأسفل يصلى أيضا للكعبة لأن المكان غير المكين . ولعل أكبر دليل على ذلك من القرآن الكريم . . ان إبراهيم حين أخذ هاجر وابنها